وطنٌ واحد وأجيالٌ متعاقبة: التطور والثبات على القيم في السعودية

نحتفل باليوم الوطني السعودي الـ 95، وهي مناسبة عظيمة تجمع كل الأجيال السعودية تحت راية، واحدة، وقيادة حكيمة، ورشيدة. يأتي اليوم الوطني في زمن يشهد تحولات عميقة، ويُذكّرنا بأهمية الحوار البنّاء بين الأجيال لبناء مستقبل مشرق يحفظ هويتنا وقيمنا. إن جيل الستينات الذي عاش عصر التأسيس والبناء، وجيل “زد – Z” الذي يقود رؤية 2030، كلاهما شريك في بناء هذا الوطن المبارك، وكلاهما يملك قيمة مضافة تثري مسيرتنا الوطنية.

لقد عاش جيل أجدادنا وآبائنا في المملكة زمنًا جميلًا اتسم بالبساطة والترابط الاجتماعي القوي، حيث كانت البيوت عامرة بالمحبة والألفة، والأحياء كالأسرة الواحدة، والمسجد قلب الحي النابض. وقد شكّل هذا الإرث أساسًا قويًا للهوية السعودية المجتمعية. واليوم، يعيش جيل “زد – Z” السعودي عصر التطور والانفتاح الواعي، حيث تمكنت المملكة من الجمع بين الأصالة والمعاصرة بحكمة بالغة. فمشاريع المدن الذكية مثل نيوم والقدية، يقودها شباب سعودي واعٍ بهويته ومحافظ على قيمه. ومن الجميل أن قيادتنا الرشيدة تدرك أهمية الحفاظ على التوحيد الخالص وحماية الشباب من كل أشكال الانحراف الفكري، فالمملكة تسير بخطى ثابتة نحو التطور مع التمسك بالمرجعية الإسلامية الصحيحة، مما يحمي أجيالنا من الوقوع في فخ “الشرك الاجتماعي الخفي” الذي قد ينشأ من الخضوع الأعمى لمعايير العالم الافتراضي.

في رحلة التحول من الوفرة إلى الاستدامة، التي تتبلور في الاقتصاد الواعي لرؤية 2030، نعم جيل أجدادنا وآبائنا بفترة من الوفرة الاقتصادية بفضل الثروة النفطية، حيث كانت الحياة ميسرة والفرص متاحة. هذه النعمة استُثمرت في بناء البنية التحتية وتعليم الأجيال. واليوم، يقود جيل “زد – Z” السعودي مرحلة التنويع الاقتصادي ضمن رؤية 2030، مدركًا أن الثروة الحقيقية في العقول والسواعد السعودية. التحديات الاقتصادية موجودة، إلا أن الشباب السعودي يواجهها بإيمان راسخ وعمل دؤوب، متجنبًا الوقوع في فخ “عبادة المال” أو اللجوء للحرام طلبًا للربح السريع. كما أن المرأة السعودية اليوم شريكة في البناء الاقتصادي، تعمل بكل فخر واعتزاز ضمن الضوابط الشرعية، مثبتة أن التطور والمحافظة على القيم وجهان لعملة واحدة. إن دخولها سوق العمل جاء استجابة لحاجة وطنية حقيقية، مع الحفاظ التام على كرامتها وخصوصيتها.

في ظل ثورة المعلومات التي تخدم الوطن، كان الجيل السابق يعتمد على مصادر معرفة محدودة لكنها موثوقة، مما ساهم في الحفاظ على البوصلة الصحيحة. فالعلماء والمشايخ والمدارس كانت المراجع الأساسية للمعرفة. اليوم، يتمتع جيل “زد” السعودي بانفتاح معرفي هائل، لكن مع وعي تام بضرورة التمييز بين الغث والسمين. البرامج الوطنية للتوعية الرقمية، ومبادرات مكافحة الأفكار المنحرفة، كلها تساعد شبابنا على الاستفادة من التقنية دون الوقوع في فخ “شرك الهوى” أو اتباع كل ناعق. المملكة تستثمر في بناء منصات معرفية موثوقة، وتدعم العلماء والدعاة الوسطيين، مما يوفر للشباب مرجعيات آمنة في زمن الفوضى المعلوماتية. القرآن والسنة يبقيان المرجع الأساسي، والعلماء الثقات هم المرشدون في فهمهما. لقد حرصت القيادة الملهمة على تربية أجيال واعية لا تنساق وراء التقليد الأعمى. فبدلًا من اتباع “المؤثرين” دون تمحيص، نرى شبابنا السعودي يصنع التأثير الإيجابي عالميًا. والقدوات السعودية اليوم متنوعة، من العلماء الأجلاء إلى رواد الأعمال، من الرياضيين المتميزين إلى العلماء والمبتكرين. كلهم يقدمون نماذج مشرفة تحفظ للشباب هويتهم وتحميهم من الوقوع في شرك التقليد الأعمى للغرب أو الشرق.

هويتنا الوطنية لا تتزعزع لأن ثوابتنا راسخة في زمن المتغيرات. ويذكرنا اليوم الوطني السعودي كل عام بأن هذه الثوابت لا تتغير مهما تبدلت الأزمان، وهي: التوحيد الخالص لله، والولاء للوطن وقيادته، والتمسك بالقيم الإسلامية الأصيلة، وبر الوالدين، والتراحم، والتكافل. هذه الثوابت هي الحصن الحصين لجيل “زد” في مواجهة تحديات العصر. الرياح عاتية والأمواج عالية، لكن السفينة السعودية راسخة لأن ربانها حكيم وبوصلتها واضحة. شبابنا يواجه التحديات بثقة لأنه يعرف من هو وإلى أين يسير. والمرجعية الشرعية الصحيحة هي درع الوطن ضد الانحراف. والمملكة العربية السعودية، حامية الحرمين الشريفين، تفخر بكونها تتبع المنهج الوسطي المعتدل. وقد أكدت قيادتنا الرشيدة مرارًا على أن المرجعية الحقيقية هي القرآن والسنة بفهم سلف الأمة. هذا المبدأ الذي سار عليه علماؤنا الأجلاء والذي أرساه الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه بقوله الشهير: “كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر” حين كان في المدينة ، أي النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

في يومنا الوطني، نحتفي بدور المرأة السعودية عبر الأجيال. من الأم التي ربّت أجيال البناة إلى المرأة العاملة والقائدة اليوم في مختلف المجالات. والتطور الذي تشهده المرأة السعودية ليس تقليدًا أعمى للغرب، بل هو استثمار لطاقاتها في خدمة وطنها مع الحفاظ التام على هويتها وقيمها. المرأة السعودية تثبت يوميًا أن النجاح والتميز ممكنان دون التخلي عن المبادئ والقيم. تدرك قيادتنا الحكيمة أن التحديات النفسية والروحية التي يواجهها جيل “زد” تتطلب اهتمامًا خاصًا. فبرامج جودة الحياة، والمبادرات الرياضية والثقافية، والاهتمام بالصحة النفسية، كلها استثمارات في سعادة المواطن واستقراره. الشباب السعودي اليوم يجد في وطنه الدعم الكامل لمواجهة ضغوط العصر. فالمساجد عامرة، والمراكز الاجتماعية نشطة، والفعاليات الثقافية والرياضية متنوعة، كلها توفر بدائل صحية للهروب من ضغوط الحياة دون الوقوع في المحظورات.

في ختام رحلتنا بين الأجيال، نؤكد أن القيم السعودية المجتمعية باقية وراسخة، وهي: بر الوالدين الذي يتوارثه الأبناء، والصدق والأمانة في التعامل، والكرم والضيافة، والتكافل والتراحم، وفوق كل ذلك التمسك بالدين الحنيف. هذه القيم هي الجسر الحقيقي بين الأجيال، والضمانة لاستمرار نهضتنا وتقدمنا. إن حوار الأجيال ليس صراعًا، بل تكامل؛ حيث يمد جيل آبائنا يده بالخبرة والحكمة، بينما يقدم جيل “زد” الطاقة والإبداع والطموح، وبذلك يجمع وطننا بين الأصالة والمعاصرة، وبين حكمة الكبار وطموح الشباب، وبين ثبات القيم ومرونة التطور. معًا، يبنون وطنًا يحفظ التوحيد الخالص، ويحمي أبناءه من كل أشكال الشرك الظاهر والخفي، ويسيرون بثقة نحو مستقبل مشرق. نسأل الله تعالى في هذا اليوم المبارك أن يحفظ بلادنا وقيادتنا، وأن يجمع قلوب أبنائها على الخير، وأن يعيذنا جميعًا من الشرك ما ظهر منه وما بطن، وأن يثبتنا على التوحيد الخالص حتى نلقاه.كل عام والمملكة العربية السعودية بخير وعزة ورفعة، وكل عام وأجيالها متماسكة متحابة، تبني المستقبل على أسس من الإيمان الراسخ والعمل الدؤوب. دام عزك يا وطن.

الدكتور عبدالله بن مرعي بن محفوظ